✦ أول طلب… والطعم الذي لا يُنسى
27 ديسمبر 2025
بيان البركاتي
في حياتي لحظات كثيرة،
لكن في لحظة واحدة
أعرف يقينًا
أنني لن أنساها أبدًا.
لحظة أول طلب.
لم يكن بسيطًا،
لأنه لم يأتِ فجأة.
سبقه ستة أشهر كاملة
من التحضير،
والتخطيط،
والدراسة،
والحساب.
بنيت كل شيء بنفسي.
درست الجدوى.
حسبت التكاليف الصغيرة قبل الكبيرة.
رتّبت وضعي القانوني.
جهّزت الموقع،
وربطت الأنظمة،
ومشيت خطوة خطوة.
كان متعبًا…
نعم.
لكنه كان جميلًا.
جميل لأنني شعرت
أنني انتقلت لمستوى آخر
من مهاراتي
ومن اكتشاف ذاتي.
بعدها دخلت مرحلة جديدة عليّ تمامًا:
تصميم المنتج من الصفر.
أول مرة لا أصمم لمجرد الجمال،
بل لأجل العميل.
من هو؟
ماذا يحتاج؟
ما الذي يريحه فعلًا؟
لم أستحِ أن أسأل.
لم أستعجل القرار.
كنت أرجع وأذهب
وأراجع نفسي
حتى أكون متأكدة.
لأنني تعوّرت من قبل،
وخسرت…
خسارة قدرت أتحكم فيها
وأتعلم منها.
هذه المرة
أردت الحذر.
حين ترتبت الفكرة،
ورُسم المنتج،
لم يكن “مبهرًا”.
كان واضحًا.
هكذا وُلدت
العباية الخضراء…
التي ما زالت
من أفضل مبيعاتنا
حتى بعد سنتين.
بعدها صممت كولكشن كامل
بنفس المنهج:
بسيط،
غير معقّد،
يخدم الراحة.
عباية زرقاء
ببطانة سماوية،
قطن طبيعي،
لطيف على البشرة.
اكتشفت أن كثيرًا من النساء
يعانين من حساسية الأقمشة،
ولا يحببن إلا القطن.
بساطتها
كانت سرّها.
ثم…
جاءت اللحظة.
أول نغمة طلب
من سلة.
لا أستطيع وصفها.
جسدي كله اهتز.
قلبي سبقني.
فرحنا أنا وغدي
فرحًا مختلفًا.
ليس لأنني جديدة على التجارة الإلكترونية
— فقد كنت فيها منذ سنوات —
بل لأنني هذه المرة
كنت مسؤولة عن كل شيء…
ونجحت.
الطلبات استمرت.
العملاء طلبوا نفس التصميم
بكل الألوان.
المورد دعمنا،
وكان فخورًا معنا.
وبعد سنة كاملة،
كنت مشاركة في بازار.
رأيت من بعيد
امرأة تمشي بين الناس
مرتدية عباية
أعرفها جيدًا.
عبايتي.
توقفت.
هل هذا حلم؟
أم حقيقة؟
اختفت بين الزحام
كأنها سراب.
بحثت عنها…
ولم أجدها.
حزنت.
واستحيت أبحث أكثر.
عدت لمكاني…
فإذا بها تعود.
كأن الروايات
حين يلتقي البطل بحبيبته
بعد أن يظن أنها ضاعت.
اقتربت منها،
سلّمت عليها،
مدحت ذوقها،
وسألتها عن العباية.
ثم قلت:
أنا مصممة هذه العباية…
وهذا براند جمنايا.
تفاجأت.
ابتسمت.
وقالت:
أخذتها من عندكم…
أدمنتها.
ألبسها كل يوم.
سألتها عن اسمها.
قالت: بيان.
قلبي قفز.
نفس اسمي.
وعدتها بخصم للأبد.
ليس لأنني أبيع،
بل لأنها كانت
أول شخص
أرى عليه شغلي
في الشارع.
في نفس اليوم
رأيت ثلاث عميلات أخريات
يرتدين عباياتنا.
سمعت المدح
لا من شاشة…
بل على الطبيعة.
كانوا يلمسون القماش،
يتحدثون عن الراحة،
عن الخامة،
عن الشعور.
قلت لهم:
أنتم — بعد الله —
سبب استمراري.
لأنني لا أبيع عباية فقط…
أنا أقدّم
ما تلبسه المرأة
وهي تواجه العالم.
وعباية المرأة
ليست قطعة قماش.
هي ثقة،
وراحة،
وفخر.
في تلك اللحظة
أدركت:
نعم…
أنا رائدة أعمال
بالعامية،
أبيع عبايات.
لكنني وجدت نفسي
أخيرًا
في عالم الأزياء
كما يجب أن يكون.